فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 18318

وبهذا التوسع في دراسة سلوك الناس في كل من الإنتاج والاستهلاك بقصد تحقيق الثراء الكبير للأفراد والشعوب عن طريق التجارة، بدأت الدراسات العلمية المبكرة التي ميزت جماعات من الساسة والحكام والتجار .. ومن جملة هذه الآراء والقواعد الآمرة تألفت مادة الاقتصاد في عهد التجاريين، واتسع مجال التطبيق حتى شمل حياة الفرد والشعب وسياسة الدولة في السلم والحرب، كما امتد سلطان هذه المدرسة الهامة من مدارس الفكر الاقتصادي إلى الهجرات التي نشطت من بعد القرن الخامس عشر .. ثم بقيت قبضة التجاريين شديدة نسبيًا زهاء قرنين ونصف قرن .. أعني من السادس عشر إلى أواسط الثامن عشر .. وكان الميراث الفكري الذي عاش كل هذه المدة يلتزم بالخط الرئيسي لهذه المدرسة، وو يقضي بتحصين المصالح القومية عن طريق رواج التجارة وأن ترتب على ذلك تتابع الأوامر والنواحي الحاكمة لسلوك الأفراد وهم بسبيل الإنتاج والاستهلاك، وإن اقتضى أيضًا إسقاط حكومات وإزالة دول من الجود .. على أن هذا الميراث الفكري لم يستمر خالصًا كما بدأ، وإنما - مع مرور الزمن - ظهرت اعتراضات من أتباع التجاريين أنفسهم .. لا بالتنكر للمذهب الذي عرفت به مدرستهم، بل بالخلاف فيما بينهم على وسائل التنفيذ ... ومن أشهر مظاهر الخلاف .. قول بعضهم إن الهدف الأخير من ازدهار التجارة ونجاحها لا يصدم بالمعيار القديم للثراء وهو توفير المزيد من كميات المعدن النفيس داخل حدود الإقليم، ورتبوا على ذلك أمرًا كان له ما بعده .. فقالوا بأن التخفيف من القيود التي أرهقت الأفراد وبخاصة التجار بشأن استيراد المعدن النفيس وتصديره، من شأنه أن يحفزهم على مضاعفة الجهد لتحقيق الريح الخاص، ومن ثم يكون الفائض من المتاجرة بالمعدن النفيس (في ظل شيء من حرية التصرف) أكبر منه في حالة الإلزام بالقيود ..

ومن هذه البداية المحدودة كانت البادرة الأولى لفكرة التحرر النسبي في النشاط الاقتصادي، وقيل عندئذ بأن المرجع في هذا هو طبائع الأشياء، ثم غلبت فكرة (( الطبيعة ) )كرمز للقوى التي يعيش الإنسان بها كما يعيش بفيض من مواردها وطاقاتها.

غلبت هذه الفكرة على فريق من الخاصة، في أواسط القرن الثامن عشر فأقاموا منها مبدأ يدعون إليه أو مذهبًا يميزهم من غيرهم فكانت مدرسة الطبيعيين.

ولقد عاشت هذه المدرسة في القمة زهاء عشرة أعوام وحسب .. ومع ذلك .. يعود الكتاب (حتى في أيامنا هذه من القرن العشرين) إلى دراسة الدقائق من حول هذا الفريق الذي لم يلبث طويلًا على مسرح الأحداث والفكر جميعًا، وهكذا كانت نشأة الاقتصاد المعاصر بين عهد التجاريين وظهور الطبيعيين، وكان لهذه المدرسة الأخيرة آثار جديدة بمزيد من البيان في البحث التالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت