{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وله ستمائة جناح، وصدَّق قلبُه وبصره، فلم يشك في أن الذي رآه هو جبريل، أحيانًا ترى سوادًا أمامك، فتظن أنه فلان، لا تستطيع الجزم بأنه هو؛ لبعده أو لعدم وضوح الرؤية، حتى إذا دنا منك وتأكدت منه صدَّق قلبك بصرك، أو كذبه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جبريل قد استوى بالأفق الأعلى، له ستمائة جناح {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، ولم يشك لحظة في أن هذا الذي يراه هو جبريل، {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} ؟ أفتجادلون محمدًا على ما يراه من جبريل، وما يأتيه من الوحي؟ فعلى أي شيء تستندون؟ كما قال تعالى في سورة الطور: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} [الطور: 38] أي: يصعدون فيه إلى السماء، فيستمعون إلى الملأ الأعلى، فلم يسمعوا تكليف اللَّه لجبريل أن يأتيك، فهم إذن يكذبوك، {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} وهيهات.
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} ، هذه هي المرة الثانية التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على أصل خِلْقته، وكانت {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} ليلة المعراج، والسدرة شجرة النبق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه السدرة: (( ورقها كآذان الفِيَلَة، ونبقها كقلال هَجَر ) ). [مسلم (162) ] .
وسميت سدرة المنتهى؛ لأنها ينتهي إليها ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وقد ورد أنها في السماء السادسة أو السابعة {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} .
{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} قال صلى الله عليه وسلم: (( فلما غشيها من أمر اللَّه ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن ينعتها من حسنها ) ). [ (( صحيح مسلم ) )]