نظرة فحص ودراسة للقرآن الكريم نجده قد انبسط في تسجيله لقيم حادث الهجرة الذي عظم أمره وظهر أثره، وتجلى قدره، ودلّ على يقين وإيمان راسخ وثبات على الحق واعتزاز بالدين الحق، يسجل القرآن رضاء اللَّه عن قوم أُخرجوا من ديارهم وأُجبروا على ترك أموالهم وديارهم، وتحمل الاغتراب والمشقة والعذاب في سبيل العقيدة التي خالطت القلوب، وامتزجت بالأرواح، ويشهدُ لهم بصدقهم؛ إذْ يسميهم بفعلهم حينما أسماهم المهاجرين، ويشمل رضاه قومًا بالمدينة فتحوا قلوبهم لدين اللَّه الحق، وفتحوا ديارهم لإخوانهم المهاجرين من أهل هذا الدين، وأعانوهم وقاسموهم ما يملكون، ويعرض من أخلاقهم ما سما بهم، فقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ @ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9] ، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] ، وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] ، إن كثرة الآيات شهادة بقدرها، وثناء على المهاجرين مع إكرامهم مثوبتهم.