قال ابن كثير في (( تفسيره ) )ما خلاصته: أمر اللَّه اليهود أن يدعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو دعوا بالموت ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أن التمني بمعنى طلب الموت، ثم قال: وهذا فيه نظر؛ إذ لا يلزم من اعتقاد أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يُعمر ليزداد خيرًا وترتفع درجته في الجنة، كما في الحديث: (( خيركم من طال عمره وحسن عمله ) ) (3) . والصحيح تفسير ابن عباس، حيث قال: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء للَّه من دون الناس، وأنكم أبناء اللَّه وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما عرفوا ذلك امتنعوا من المباهلة لما يعلمونه من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق - وسميت هذه المباهلة: تمنيًا - لأن كل مُحِق يود لو أهلك اللَّه المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حُجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت، فهم حريصون على طول العمر، فالدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. وقد بين سبحانه أنهم أحرص على الحياة من المشركين.
الأنبياء والصالحون لم يتمنوا الموت إنما تمنوا النجاة:
قال القرطبي المفسر: لم يتمن الموت أحد نبي ولا غيره إلا يوسف عليه السلام، حيث تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل. وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفني مسلمًا، وهذا قول الجمهور.
وقال سهل بن عبد اللَّه التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار اللَّه تعالى عليه، أو رجل مشتاق محب للقاء اللَّه عز وجل.