ولما رجعت إلى العراق وجدت أتباع هذه الفرقة موجودين في العراق ويسمون السبتيين، والآن أذكر الحكمة في تحريم لحم الخنزير، من المعلوم أن كل خنزير وحشيًا كان أو أهليًا يجرى في جسمه نوع من الدود خاص به وكل من أكل لحمه ينتشر في جسمه ذلك النوع، ومعلوم أن البلاد الجرمانية من أفضل بلاد أوربا في المحافظة على الصحة وقد حدثني من لا يحصى من الثقات رجالًا ونساء أنهم رأوا فرش الصبيان في مساكن الفلاحين يجري فيها ذلك النوع من الدود، لأن الفلاحين مشتتون في الأراضي الزراعية ولا تستطيع الحكومة الجرمانية أن تخصص لكل مزرعة أو لكل طائفة من المزارع طبيبًا يفحص لهم كل خنزير يذبحونه ويعطيهم الإذن في أكله فإن ذلك خاص بالمدن الكبيرة والصغيرة، وليس الأمر كما توهم أخو عبد السلام الساكن في كندا أن كل خنزير يذبح في العالم يكون عنده طبيب يفحص لحمه فيبيح أكله أو يمنعه، والشرع الإسلامي وكل شرع رباني صحيح يحرم كل أمر هو ضرر محض كتعاطي السم القاتل بسرعة أو ببطء ويحرم كذلك كل شيء ضرره أكثر من نفعه قال تعالي في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} ، فالقرآن يثبت للخمر والميسر شيئًا من النفع ولكن ضررهما يربو على نفعهما فصارا من المحرمات، فكذلك لحم الخنزير ضرره أكثر من نفعه ويمكن الاستغناء عنه بالإبل والبقر والغنم والخيل، وقول السائل لماذا حرم الإسلام لحم الخنزير من دون سائر اللحوم غير صحيح، فإن الإسلام حرم لحوم الكلاب وسائر السباع كالأسد والنمر والذئب والثعلب والهر وحرم أكل سباع الطير كالعقاب والنسر والغراب وحرم لحوم الحمير الأهلية والبغال وأباح الحمر الوحشية وفي كل ذلك حكمة يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها.