قال ابن فارس: وقد كان الناس قديمًا يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب، فأمّا الآن فقد تجوزوا حتى إن المُحدّث يُحدّث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِها قالا: ما ندري ما الإعراب، وإنما نحن محدثون وفقهاء، فهما يُسَرَّانِ بما يُساءُ به اللبيب (6) .
ولا يخفى أن اللسان العربي شعارُ الإسلام وأهله، واللغاتُ من أعظم شعائر الأمم التي يتميزون بها (7) .
فما أَجْدَرَ هذا اللسان بأنْ يُعتَنقَ ضَمًّا والتزامًا، كالأَحِبَّةِ لدى التوديعِ، ويُكْرَمَ بنقل الخُطُواتِ على آثارهِ حالة التشييع (8) .
وما أكثر ما يجري مِن العدوان على هذا اللسان! الذي وَسِع الدين والقرآن .. مِن أولئك الذين يَهْرِفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يفعلون، فكثر اللَّحْنُ مِن الخواصِّ قبل العوامِّ، وطغت الهُجْنَةُ حتى ضجَّتَ الهوامُّ!! وسأضربُ مثالًا مِن هذا الرُّكام، وأزيح عنه اللِّثام: فما مِن كاتبٍ، ولا شاعرٍ، ولا خطيب، ولا أديبٍ - إلا مَن رحم ربي - إلا ويستخدم كلمة (بَسِيط) بمعنى: قليل، أو هَيِّن، أو يسير ... إلخ؛ فيقول: هذا شيء بسيط (بمعنى قليل) ، ورجل بسيط (بمعنى مُغَّفل، أو طيب القلب) .. وهذا الاستخدام غير صحيح؛ فقد وردتْ مشتقات هذه الكلمة في خمس وعشرين آية، وجاءت على هذا النحو في القرآن الكريم: {بَسَطَ} ، {بَسَطْتَ} ، {تَبْسُطْها} ، {يَبسطُ} ، {فَيَبْسُطُهُ} ، {يَبْسُطُوا} ، {بَاسِط} ، {بَاسِطُو} ، {البَسْط} ، {بِسَاطًا} ، {بَسْطَة} ، {مَبْسُوطَتَان} (9) ؛ وليس فيها كلها معنى قليل، أو هَيِّن، أو مُغّفل .. إلخ.