وقد ألهم اللَّه سبحانه موسى أن يتوجه تلقاء مدين، وقد شبَّه بعض أهل العلم توجه موسى تلقاء مدين بهجرة إبراهيم عليه السلام من قبل.
لكن لماذا مدين بالذات؟ يعلِّل العلماء ذلك بما يأتي:
1 -للنسب الذي بين موسى وبين أهل مدين؛ لأنهم من ولد إبراهيم عليه السلام، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فيلتقون معه في إبراهيم.
2 -لبعد مدين - مكانًا - عن مصر، ولخروجها عن سلطان فرعون مصر؛ ولذلك قال الرجل الصالح لموسى لما قصَّ عليه القصص: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] .
3 -في قصد بلاد مدين يجد فيها نبيًّا يبصره بآداب النبوة، هذا رأي من يرى أن صاحب مدين هو شعيب عليه السلام.
4 -وفي مدين رزق موسى: الزوجة، والعمل، والأمن، وصحبة الرجل الصالح، سواء كان شعيبًا أو ابن أخيه.
5 -وفي مدين تم لموسى وصفٌ من أوصاف الأنبياء وخصلة من خصالهم؛ ألا وهي (( رعى الغنم ) )، فكما رعى موسى الغنم رعى من قبله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط وغيرهما، عليهم الصلاة والسلام، ورعى من بعده داود ومحمد وغيرهم، عليهم السلام، وقد روى البخاري في (( صحيحه ) )عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما بعث اللَّه نبيًّا إلا رعى الغنم ) ). فقال أصحابه: وأنت؟ قال: (( نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ) ).
ويظهر أن رعي الغنم من تربية اللَّه للنبيين؛ إذ تعودهم على الصبر والرفق والعطف على الضعفاء، وحسن قيادة النافر، وتأليفه وتقريبه؛ وإدنائه من قطيعه، فينتقلون من رعاية الغنم إلى رعاية الأمم.
قال صاحب (( الروض الأنف ) ): وإنما جعل اللَّه تعالى هذا في الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق. اهـ.