و {لما} حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره، أي عندما حلَّ موسى بأرض مدين ونزل عند بئر الماء الذي يجتمع عنده الناس للسّقيا، والذي تعرف به القبيلة وجد موسى جماعة من الناس حضروا للسقيا ووجد كذلك امرأتين تقفان في جانب بعيد عن الزحام وتمنعان قطيعهما من الماء، فتعجب موسى من أمرهما، ولذلك توجه إليهما متسائلًا عن أمرهما: {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ، فعلم موسى من الإجابة أنهما من بيت فضل وأدب، وأنهما لم يخرجا إلا لضرورة، والتمس موسى أيضًا أنهما في حاجة إلى مساعدة، حيث يمنعهما الحياء من مزاحمة الرعاء، {فَسَقَى لَهُمَا} أي: رأفة بهما وغوثًا لهما، وذلك من قوته ومروءته، قام موسى واقتحم ذلك العمل الشاق على ما هو عليه من التعب والإعياء عند الوصول، قام موسى بما قام به مروءة، ثم عاد إلى ما كان عليه من الإيواء إلى ظل الشجرة، ووجد موسى برد الظل فتذكر بهذه النعمة نعمًا كثيرة أسداها اللَّه إليه، منها نجاته من القتل، وتربيته على عين اللَّه، وإتيانه الحكمة والعلم، وتخليصه من تبعة قتل القبطي، وإيصاله إلى أرض معمورة بعد أن قطع فيافي ومفازات، تذكَّر ذلك كله، فتهتف من أعماقه: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ، فجاء بهذه الجملة الجامعة للشكر والثناء والدعاء، واعترف لربه بالفضل ولنفسه بالحاجة إلى فضل اللَّه والفقر إليه، وبعد هذا اللجوء الصادق وإظهار الفقر الذاتي جاءت الإجابة سريعة من الغني الحميد متمثلة في الآتي:
ثالثًا: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] .