والفاء هنا تدل على سرعة الاستجابة، وعقب انتهاء دعاء موسى مباشرة، جاءت إحدى البنتين قد أرسلها أبوها في طلب موسى بعد علمه بما حدث ليجازي موسى بما فعل من خير، وجاءت تمشي يغمرها الحياء، أي: مَشي الحرائر، كما رُوي عن أمير المؤمنين عمر، رضي اللَّه عنه، جاءت مستترة بكم درعها على وجهها، ليست بسلفع من النساء - أي: الجريئة السليطة - ولا خراجة ولا ولاجة. قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح.
ماذا يريد الغريب في مثل هذه الحالة غير مكان يأوي إليه، وطعام يرد جوعته.
وهكذا ساق اللَّه لموسى ما يريد، وفوق ما يريد، فسبحانه الفعال لما يريد.
رابعًا: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] ، جاء موسى إلى العبد الصالح، أو النبي شعيب، وقصَّ عليه خبره، فطمأنه وقال: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين، أي من فرعون وقومه؛ لأن بلاد مدين تابعة لملك الكنعانيين، وهم أهل بأس ونجدة. ولا شك أن مطلب الأمن كان هو المطلب الأساسي لموسى في مثل حالته هذه، وقد لمس هذا النبي الكريم شعيب عليه السلام فأراد أن يفيض الطمأنينة على قلب موسى عليه السلام، ولعل صاحب مدين إن كان هو النبي شعيب كما يرى الأكثرون من أهل العلم فقد علم ذلك من اللَّه بحكم نبوته. واللَّه أعلم.
وفي ختام هذه الواقعة نسوق بعض الفوائد التي استنبطها العلاّمة عبد الرحمن السعدي، رحمه اللَّه، حيث قال:
ومنها: أن إخبار الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شر يقع به لا يكون من باب النميمة، بل قد يكون واجبًا.
ومنها: إذا خاف شخص التلف بالقتل بغير حق في إقامته في موضع ما، فلا يلقي بيده إلى التهلكة ويستسلم للهلاك، مع قدرته على الفرار.