فهرس الكتاب

الصفحة 10239 من 18318

إلخ، ولو ذكر المفعول صريحًا لصرف الذهن إلى شيء واحد فقط، والفاصلة لا بد أن تأتلف مع مضمون الآية، فإن كان مضمونها الرحمة دلت الفاصلة على ذلك، أو العذاب دلت عليه، فهي تأتي متممة للمعنى ومقررة له في النفوس، وقد ذكرنا لذلك شواهد كثيرة، وتشارك الفاصلة كذلك في تصوير اللوحة القرآنية الفريدة البديعة، خصوصًا في السور القصار، حيث نجد أن الآيات ذات الموضوع الواحد تكون بفاصلة واحدة، فإذا تغير الموضوع في السورة تغيرت الفاصلة، وقد ذكرت الكثير من ذلك، وهو يدل على إعجاز القرآن الكريم، ففي سورة نوح نجدها تبدأ بإخبار اللَّه تعالى أنه أرسله إلى قومه، ثم يذكر طرفًا من خطاب نوح إليهم في الآيات (1 - 4) وفواصلها: (أليم، مبين، أطيعون، تعلمون) ، وفيها كان الخطاب مباشرًا من نوح عليه السلام إلى قومه، فلما كذبوه اتجه إلى ربه بالخطاب شاكيًا مناجيًا، فتغيرت الفاصلة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5] ، واستمر الخطاب والمناجاة مع الله بهذه الفاصلة المنتهية بحرف المد الناشئ من الوقف على الحرف المنون، فناسب هذا جوَّ الشكوى والحزن، وساعدت الفاصلة في رسم اللوحات ونقل المعاني بدقة، ومثلها سورة (( التكوير ) )التي تبدأ بلوحة شرط بديعة قصيرة الآيات متقاربة في الوزن، وتلزم فاصلة واحدة هي التاء المفتوحة الساكنة (1 - 14) ، فإذا انتهت لوحة الشرط وجوابه وبدأت لوحة القسم تغيرت الفاصلة لتساعد في رسم اللوحة وتصوير المعنى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ @ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ @ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ @ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 15 - 18] .

وهذا كله بلا شك من صور الإعجاز والجمال في هذا الكتاب الخالد، وهناك مباحث أخرى لم نعرض لها هنا لضيق المقام. واللَّه الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت