وما هي إلا برهة يسيرة حتى وافوا مزدلفة، فحطوا فيها رحالهم، وجمعوا بين صلاة المغرب والعشاء، وباتوا بها ليلتهم، حتى إذا اقترب الفجر قاموا وتطهروا وصلوا الصبح ودعوا ربهم، وناجوه بكل مطالبهم، وجمعوا جمراتهم، وهي حصيات دون البندقة وفوق الحمصة، ثم قاموا إلى منى قبل طلوع الشمس، ورموا جمرة العقبة.
وفي هذا من المشاق السهلة ما يمرن على جهاد الأعداء، والنزول منازل الأبرار الأنقياء، وأن الدنيا هكذا: حل وارتحال.
وفي رمي الجمار معنى سام، وذلك أنه رمز لرمي الشيطان الرجيم وإهانته، وفيه دليل عملي على الزهد في الدنيا وكراهيتها والإقبال على الآخرة، وقد كنت أسمع من عوامنا في الأرياف إذا أراد أحدهم مفارقة أحد واليأس منه: (( رمينا طوبته، ونفضنا يدنا منه ) )، ونحو ذلك، فرمي الجمار فيه هذا المعنى.
ومعنى آخر: وهو تعليم الجهاد والحث عليه، فإن الحروب كلها مبنية على الرمي، ومن عهد بدء الخليقة إلى اليوم، ولذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا ) ).
لما كان كيد إبليس ضعيفًا، وقال الله فيه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: 42] ، وقد عرض في هذا الموقف لإبراهيم عليه السلام حين أُمر بذبح ابنه، لم يرد أنه يرميه إلا بهذه الحصوات الصغيرات احتقارًا له، وعدم عناية به.
وبعد هذا الرمي لجمرة العقبة يوم النحر يحلق رأسه، ويذبح هديه، ويلبس ثيابه، ثم يذهب إلى بيت ربه فيطوف به كما طاف أول مرة، ويسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن سعى أولًا، وغلا فيكفيه السعي الأول لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فما تجد الأرواح المؤمنة لذة في عمرها أ؛ سن ولا أفضل من هذه اللذة التي وجدتها في عبادة ربها تلك الأيام عند بيته المشرف، وتلك المشاعر العظيمة.