وهذه الفضيلة لزائر المدينة، إنما تثبت له إذا سافر بقصد الصلاة في مسجد رسول الله (بالقصد الأول، ثم الذهاب بعد ذلك إلى قبر رسول الله (للسلام عليه وعلى صاحبيه، تبعًا لهذا القصد بحكم وجوده هناك .. أما شد الرحال لمجرد زيارة القبر دون أن يكون قصده الأول هو مسجد رسول الله (والصلاة فيه فهذا ما لم يفعله أحد من سلف هذه الأمة على عهد صحابة رسول الله (وتابعيهم بإحسان، بل قد كره كثير من الأئمة شد الرحال إلى مجرد القبر كالإمام أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام مالك رحمهم الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولًا وعملًا هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره، والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام عند الجمهور، وقيل: إنه أفضل مطلقًا كما نقل عن مالك وغيره، ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق قبره ولا ورد بذلك حديث صحيح، ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده. وقد ذكر القاضي عياض عن مالك أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي (. وذكر عن مالك أيضًا أنه ليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء .. وقال مالك في المبسوط أيضًا: ولا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي (ويدعو له ولأبي بكر وعمر، قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا قدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك مرة أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ولم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. اهـ.