إن القرآن الكريم في الآيات السابقة يصورهم على حقيقتهم أروع تصوير، ويوضح مقوفهم، موقف من سقطت عنه كل المعاني التي يكون بها الإنسان إنسانًا .. موقف الرعديد الجبان الذي يفر من طلب العزة ويريد أن يسود بغير تضحية ولا فداء، رغم محاولة موسى عليه السلام إقناعهم وتدريبهم على المعارك والصراع؛ لأن المعارك والصراع من شأنهما أن يخلقا الأبطال، ويجعلا الأمة التي تستطيع أن تواجه قدرها أمة ظاهرة عزيزة موهوبة الجانب، فلا حياة للأذلاء الجبناء، ولا عزة للضعفاء المنهزمين، إنما العزة والسيادة لكل أمة شجاعة قوية تقدم للَّه قرابين من دماء فتياتها، وتضحيات بنيها .. ورغم تحريض موسى لهم لينالوا نصر الدنيا وعز الآخرة يجيبونه بمنطق الجبن والخور: إن كان لا بد من قتال: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إن هاهنا قاعدون} ، ولذلك عوقبوا بحرمانهم من دخول الأرض المقدسة تحريمًا أبديًا لا تحريمًا مؤقتًا بعد الحكم عليهم بالتية أربعين عامًا .. وقد يقول قائل: إذا كان التحريم أبديًا فلماذا دخلوها مع يوشع بن نون فتى موسى عليه السلام؟ ونجيب بأنهم دخلوها بحكم الفتح لا بحكم الوعد، ومصداق ذلك ما جاء في قول اللَّه تعالى في سورة الأعراف: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .