القسم الثاني: ما كان مشروعًا ثم نسخ بالكلية؛ كالسبت، أو إيجاب صلاة، أو صوم. ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجبًا عليهم فيكون عبادة، أو محرمًا عليهم، فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك، وكذلك ما كان مركبًا منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد المشروع يجمع عبادة، وهو ما فيه من صلاة، أو ذكر أو صدقة، أو نُسُك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس، وما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواجبة، واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب ونحو ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما زجر أبو بكر رضي الله عنه الجاريتين عن الغناء في بيته، قال: (( دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا، وإن لهذا لعيدنا ) ). وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم.
فالأعياد المشروعة يشرع فيها، وجوبًا، أو استحبابًا: من العبادات ما لا يشرع في غيرها، ويباح فيها أو يستحب، أو يجب: من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها كذلك، ولهذا وجب فطر يوم العيدين، وقرن بالصلاة في أحدهما الصدقة، وقرن بها في الآخر الذبح، وكلاهما من أسباب الطعام.
فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كليهما؛ أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة.
وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما: فهو أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل قد أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح، فهذا أصل.
وأصل آخر: وهو أن كل ما يتشابهون فيه: من عبادات أو عادة، أو كليهما، فهو من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع، إذ الكلام فيها كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعًا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون، فلا كلام فيه.
فجميع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع وكراهتها تحريمًا أو تنزيهًا، تندرج هذه المشابهات فيها، فيجتمع فيها؛ أنها بدعة محدثة ومشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين يوجب النهي، إذ المشابهة منهي عنها في الجملة ولو كانت في السلف. والبدعة منهي عنها في الجملة، ولو لم يفعلها الكفار، فإذا اجتمع الكفار صار علتين مستقلتين في القبح والنهي.
إذا تقرر هذا الأصل في مشابهة الكفار فنقول: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز.
وبهذه الكلمات لشيخ الإسلام نتكفي في موضوعنا، ونوصي إخواننا أن يقرأوا كتاب (( اقتضاء الصراط المستقيم ) )وكذلك كتاب (( أحكام أهل الذمة ) )لابن القيم، ففيهما فوائد هامة كثيرة، والله الموفق.