واستمرت هذه البدعة لا تعرف إلا في العبيديين حتى انتقلت إلى الدولة الأيوبية في القرن السادس الهجري، حيث كان يحتفل به الملك مظفر الدين صاحب إربل ويبالغ في ذلك مبالغة عظيمة كما ذكر عدد من المؤرخين كسبط ابن الجوزي، وابن خلكان؛ حيث ذكر وصفًا لاحتفالاته، ثم قال فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به (يعني أنه كان يقيم احتفالات لا يستطيع المرء وصفها) ، ثم ذكر أن أهل البلاد كانوا سمعوا بحسن اعتقاده فيه - أي في المولد - فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي .. خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ثم ذكر أعمالًا وشعائر كثيرة تقام في ذلك الاحتفال العظيم وكان يحتفل به سنة في ثامن الشهر وسنة في ثاني عشر لسبب الاختلاف الذي وقع في تاريخه. وذكر أبو شامة أنه اقتدى بفعل الشيخ عمر بن محمد الملا وهو من كبار الصوفية.
ومما سبق يتضح ما يلي:
(أ) أن بدعة المولد حدثت عقب القرون الثلاثة المفضلة.
(ب) أن أول من أحدثها الحاكم العبيدي الملقب بالمعز لدين الله في القرن الرابع الهجري، ومعلوم ما يكنه العبيديون لأهل الإسلام من كراهية وحقد، وما يبطنونه من عقائد فاسدة يسترونها بإظهار محبة آل البيت والولاء لهم.
(جـ) أن دوافع إحداث هذه البدعة المنكرة سياسية، إذ أراد بها المعز العبيدي أن يكسب ودّ أهل مصر، وأن يضع لحكومته الباطنية وتصرفاتها الشاذة قبولًا عند المسلمين بهذا الاحتفال الذي حرك به عواطف العوام والرعاع بادعاء محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
(د) أن هذه البدعة تسربت إلى الملك المظفر صاحب (إربل) في القرن السادس الهجري عن طريق أحد كبار الصوفية، والذي يظهر أنه أخذها عن العبيديين.