فالأذواق متنوعة ومتضاربة لا تقطع مبهمًا ولا تفصل مشكلًا، والفلاسفة لا يستقرون على مبدأ ولا ينتهون إلى هدف، وكيف يستقرون والكوكب ربهم والشك دينهم؟ وانظر إلى ما قاله ديكارات ومن تبعه من أدباء أوربا: (( أنا أشك إذن أنا موجود ) ). فقد صدفوا عن علوم الأنبياء واغتروا بما عندهم من العلم، وجعلوا الشك في ذات الله تعالى دينًا، وصدق فيهم قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] هذا في الفلسفة، وكذلك الحياة الطيبة لا تقوم على رسوم متقلبة أو سياسات وضعية حائرة ناقصة تمكر بالليل والنهار، فلا يمضيها عهد ولا توقفها ذمة، وأما الشهوات فهي أرض مائعة ترعى فيها كلاب لاهثة، وأما الشبهات فهي طريق القلوب الزائغة والأنفس المريضة.
إن هؤلاء جميعًا إذا قلت لهم: قال الله؛ قال رسوله؛ قال الصحابة؛ هذا الوحي وهذا نوره؛ صدوا بتلك المعارضات، اتباعًا للهوى وتمييزًا للون والجنس، وحبًّا في البقاء والخلود في الأرض، لا إرضاءً لله ولا اتباعًا لرسله صلوات الله عليهم أجمعين، فكيف إذن يحصر الشر في طائفة دون أخرى، بينما هم متلبسون بتلك العوارض السابقة.
إن هؤلاء من أعظم الناس شرًّا وأقلهم فهمًا وأزهدهم خيرًا وأجهلهم دينًا، فلا هم يملكون ما يكفيهم من الهدى، ولا هم يتركون الناس ينتفعون بعلوم الأنبياء، أما منظورهم في تحديد الشر فإنه لا يخرج من قلب يبغض الشر ويأباه، وإنما هو منظور تكتيكي فمن لم يدخل في محور الشر اليوم فربما يدخل فيه غدًا، ومن دخله اليوم فقد يخرج منه غدًا.
اللهم إنا نعوذ بك من قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، ونعوذ بك يا ربنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونبرأ إليك من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.