فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 18318

ومن ثم كانت هذه النظرة المادية للحياة نظرة من شأنها أن تباعد بين الإنسان وبين فطرته الخيرة، وتسلخه من الطبيعة والسماحة. وتخلق منه عدوًا لنفسه وللإنسانية وتجعله شر ما يدب على الأرض.

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} .

فالآية تقرر أنهم فقدوا مصادر المعرفة وقوى الإدراك، فهم صم عن الحق لا يستمعون إليه، وبكم لا ينطقون به لأن قلوبهم في عمى عن نور الله، وفي ضلال عن هدايته.

ما حظ الأصم عن سماع الغناء الجميل؟ ونصيب الأعمى عن المشاعل المضيئة؟

وإذا كان ذلك كذلك فإن على الإنسان أن يصحح نظرته إلى الحياة، وأن يرتفع بها عن مستوى الشهوة واللذة، ويسلك المسلك الذي يحقق إنسانيته، ويسمو بها إلى الأفق الأعلى، دون أن ينسى نصيبه من الدنيا وحظه المادي من هذه الحياة.

وسبيل ذلك أن يتجرد من السطحية ويتغلغل في فهم وجوده ومعرفة شخصيته.

وكل ما بين يديه إنما يأخذه برفق ليصل به إلى هذه الحقيقة.

فالكون كله، سماؤه وأرضه مسخرة لمنفعته. ومذلل لخدمته، وجار على السنن التي تعينه على تحقيق أهدافه الكبرى.

وليس في شيء يتعارض وكماله الذي يسعى في تحقيقه، ويجدُّ في الوصول إليه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .

وفي هذا تحقيق لسيادة الإنسان على هذا الكون المادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت