أما بعد عصر الصحابة، فمن العسير جدًّا التسليم بانعقاد الإجماع لتفرق الفقهاء في الأمصار البعيدة ولكثرة عددهم واختلاف مشاربهم وعدم الأخذ بأسلوب الشورى كما كان الحال في عصر الصحابة، فلا إجماع بالمعنى الصحيح للإجماع إلا ما كان في عصر الصحابة.
إمكان انعقاد الإجماع في العصر الحاضر
الإجماع -كما رأينا- مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، ويمكن الاستفادة منه في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الجديدة، وهذا من الممكن وقوعه في العصر الحاضر، خاصة مع التقدم في وسائل الاتصال الحديثة، فيمكن لكل دولة من الدول الإسلامية أن تحدد المجتهدين فيها، وأن يجتمع المجتهدون جميعًا من كل الدول الإسلامية، وليكن مرة كل عام، ومن الممكن أن يتم ذلك عن طريق تكوين مجمع فقهى على مستوى العالم الإسلامي، وأن يعرض عليه المسائل الجديدة التى تحتاج للدراسة، فإذا اتفقت آراؤهم جميعًا كان ذلك إجماعًا ويجب اتباعه على المسلمين جميعًا.
وحتى إن تعذر وجود بعض المجتهدين في مكان الاجتماع فإنه من الممكن أخذ رأيهم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت وغيرها.
فائدة
هل يجوز نسخ الإجماع بالإجماع؟
قرر علماء الأصول أنه لا يجوز نسخ الإجماع بالإجماع من غير تفصيل؛ لأن الإجماع متى ثبت وجب العمل به ولا تجوز مخالفته فإذا جاء إجماع بعده على خلافه لم يصح اعتباره ولا العمل به.
ولكن هذا الحكم ينبغى أن يكون خاصًّا بالإجماع المستند إلى نص من الكتاب والسنة أما في الإجماع الذى سنده المصلحة فإنه يجوز أن ينسخ بإجماع لاحق إذا تغيرت المصلحة التى بنى عليها الإجماع السابق؛ لأن حجية الإجماع المستند إلى مصلحة إنما هى بالنظر إلى تلك المصلحة التى أجمع المجتهدون على الحكم لأجلها، فإذا تغيرت تلك المصلحة لم يكن هناك وجه لبقاء حجية ذلك الإجماع، فتجوز مخالفته وتشريع الحكم المحقق للمصلحة الجديد. والله أعلم.
المراجع
-مذكرة أصول الفقه للشنقيطى.
-الميسر في أصول الفقه الإسلامي، د. إبراهيم سلقينى.
-معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزانى.
-التأسيس في أصول الفقه لمصطفى سلامة.
-فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
-الوجيز في أصول الفقه د. عبد الكريم زيدان.
-فتح البارى للحافظ ابن حجر.
-السلسلة الصحيحة للألبانى.
-صحيح سنن النسائى والترمذى وأبى داود للألبانى.
-صحيح مسلم.
-مسند الإمام أحمد.
-أصول الفقه د. شعبان إسماعيل.
-علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.