فى حديث أنس واعتراض ابنته ورد أنس عليها بيان جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وتعرض رغبتها فيه لصلاحه وفضله أو لعلمه وشرفه أو لخصلة من خصال الدين، وأنه لا عار عليها في ذلك، بل ذلك يدل على فضلها، أما إذا كان العرض لأجل غرض من الأغراض الدنيوية فهو من أقبح الأعمال وأفضحها؛ لذا قالت بنت أنس رضى الله عنها: (واسوأتاه. واسوأتاه) . وقد ذكر ابن المنير في شرح البخارى أن حديث الواهبة فيه خصوصية للنبى - صلى الله عليه وسلم -، واستنبط البخارى من الحديث ما لا خصوصية فيه من جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في صلاحه، فيجوز لها ذلك، فعرض الرجل بنته وغيرها ممن يتولى أمرها حسن ممن يعتقد صلاحه وخيره، وفيه نفع عائد على بنته أو وليته، بل ذلك يدل على ندب الولى أن ينظر في صالح وليته وابنته، ولو كانت ثيبًا فالمرأة لا تخطب من نفسها بكرًا كانت أو ثيبًا، وقد ترجم النسائى لهذا الحديث، فقال: «نكاح الرجل بنته الكبيرة» . وننبه أن حديث الثيب أولى بنفسها، لا يعنى جواز خطبتها من نفسها أو عقدها بغير وليها، فلا نكاح إلا بولى.
وفى فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعرض حفصة على عثمان وأبى بكر بيان أن ذلك ليس بمنقصة، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على أن ذلك العرض ليس من خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما الهبة فهى خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 50] .