وفى الأحاديث فضل كتمان السر، فإذا أظهره صاحبه ارتفع الحرج عمن سمعه، وفيه عتاب الرجل لأخيه وعتبه عليه واعتذاره إليه، وقد جبلت الطباع البشرية على ذلك، ويحتمل أن يكون كتمان أبى بكر ذلك أنه خشى أن يبدوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يتزوجها فيقع في قلب عمر انكسار، ولعل اطلاع أبى بكر على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد خطبة حفصة كان بإخباره إياه - صلى الله عليه وسلم -، إما على سبيل الاستشارة، وإما لأنه كان لا يكتم عنه شيئًا مما يريده حتى ما كان في العادة عليه غضاضة وهو كون ابنته عائشة عنده ولم يمنعه ذلك من إطلاعه على ما يريد لوثوقه بإيثاره إياه على نفسه، ولهذا أطلع أبا بكر على ذلك قبل إطلاع عمر الذى يقع الكلام معه في الخطبة.
وفى الحديث أن من أسر لأحد بسر ثم أعلنه فلا يطلب منه الكتمان بعد أن أفشاه صاحبه.
وفى الحديث غيرة أنس بن مالك أن يُذكر ما يسيء إلى أحد من الصحابة الكرام، فلم يسكت لَمَّا قالت ابنته «ما أقل حياءها، واسوأتاه» حتى قال: «هى خير منك» ، وفيه رد غيبة الغائب من المسلمين إذا ذكر في المجلس ما يسوؤه، وفيه تأديب الرجل أهله وابنته وعدم سكوته عن الخطأ حتى يعلمهم الصواب، وفيه أن البيوت كانت مجالس للعلم وكان يشهدها الأهل وغيرهم، وفيه أن من الخير الرغبة في صحبة أهل الخير بزواج ونحوه، وهو الذى امتدح أنس المرأة بسببه.
والحديث بعد ذلك عظيم الفوائد.
والحمد لله رب العالمين.
(1) رفئونى: يعنى هنئونى.