لقد كان تردد القوم بسبب ما كانوا عليه من برد وجوع وخوف فقد كان الحصار الذى استمر نحو شهر قد أوهن القوى وأنهك العزائم. وكانت الظلمة في تلك الليلة مطبقة والريح شديدة باردة والخوف قد أخذ بتلابيب القوم، {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدًا} [الأحزاب: 25] .
وفى هذه الأجواء المشحونة والأحوال المدلهمة ينصر الله جنده في لحظات من حيث لم يحتسبوا، ويرسل الله ريحًا تفرق جمع الأحزاب وتغير موازين المعركة، {وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا} [الأحزاب: 25] .
التوهم بنصر الله للمسلمين لأنهم مسلمون!!
قد يتوهم بعض المسلمين أن الله سينصرهم ما داموا مسلمين، مهما يكن حالهم، ومهما تكن حقيقة أعمالهم، والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] .
ولم يقل مادمتم مسلمين فسأنصركم وأثبت أقدامكم مهما تكن أحوالكم وأوضاعكم وأعمالكم.
لقد هُزم المؤمنون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد حيث عصوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهزم أغلبهم يوم حنين وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أعجبتهم كثرتهم وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة. فكيف ينصر الله من لا ينصره لمجرد أنه مسلم؟! كيف ينصر الله من يعصيه ولا يقوم بواجبه؟!
ولله تعالى سنن لا تتغير يحكم بها الكون والحياة والإنسان فيها متطلبات ... النصر ومسببات الهزيمة.
والحكمة من وراء هذه السنن أن تظهر خبايا النفوس، وتبرز معادن الناس من خلال واقع منظور لا من خلال أقوال وأمنيات، فتتميز الصفوف، وتتمحص النفوس ويُعلم المؤمنون الصابرون فينصرهم الله، ذلك أن النصر شرف، ولن يتنزل على قلوب قاسية غافلة، ونفوس مريضة وأحوال مغشوشة في أمة تشعبت بها السبل وتجارت بها الأهواء، وتعمقت فيها الخلافات وتلونت بسوء الظن.
والدعاء من أهم أسلحة النصر، فلما صنع نوح السفينة لجأ إلى الله واحتمى بحماه، ولم يركن إلى الأسباب وحدها، بل توجه إلى الله بالدعاء، لعلمه أن الدعاء يستمطر سحائب النصر، وقد سجل لنا القرآن الكريم صيغ الدعاء التى دعا بها نوح ربه، وكيف أن الله استجاب له على الفور {فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر تجرى بأعيننا جزاءً لمن كان كفر} [القمر: 10، 14] .
فاللهم استجب دعاءنا .. وأهلك أعداءنا .. وفرج الكرب يا رب العالمين .. وانصر عبادك المستضعفين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.