فكيف إذن يتقدم البشر بأفكارهم وآرائهم بين يدي الله ورسوله في مقام يقف العقل أمام عظمته ذليلًا خاشعًا؟ وما هذه العقائد التي تموج بها الأرض قديمًا وحديثًا وضل بها خلق كثير من بني آدم لقد تطاولوا على أمر لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إلا مجرد البلاغ: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} .
من أجل ذلك ضلت مذاهب المفكرين والفلاسفة ووصلوا بالعقيدة إلى سخافات العقول وما لا يليق من المعقول وتوزعت أحوال الناس وأمورهم أفكارًا وعقائد انحرفت بهم عن العقيدة الصحيحة والدين الحق، فأصبحت حياتهم لا تنظمها عقيدة سليمة، ولا يحكمها سلوك قويم، وكأنما كان الإسلام ينظر إلى هذه اللوثات التي أصابت البشرية في عقيدتها فجاء بها واضحة نقية منزهة عن الظنون البشرية والفروض الفكرية لا يتلقى فيها المؤمن من ظن قائل، ولا من سلوك شيخ واصل، ولا يتبع فيها أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.
لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الإخلاص كما سمعها من الوحي ومن عادة المخاطب إذا قيل له قل كذا أن يبلغ القول وحده أو حاصل المطلوب دون أن يتلفظ بـ: قل كما سمعها، وهذا أمر له وجاهته واعتباره يرشدنا إلى ما يلي:
1 -أن نظم القرآن ليس في مقدور النبي صلى الله عليه وسلم بل يحكي كل ما يقال له.
2 -تحديد مهمة الرسول (في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة.
3 -إلزام الخلق بالتوجه إلى الله ورسوله في بيان العقيدة والدين والرد إليها عند الاختلاف.
4 -ليس لأحد أن يخبر عن ذات الله عز وجل إلا ما يعلمه يقينًا عن طريق الوحي وتبليغ الرسول.
5 -التزام الإقرار بهذا القول على مر الدهور.
6 -أمر القارئ والسامع نفسه بالقول به وعدم التجاوز عنه.