فهرس الكتاب

الصفحة 11055 من 18318

وكيف {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} ، فمهما أسررتم يعلمه الله، ومهما كتمتم يظهره الله، لأنه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] ، {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 4] ، {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} ، وهكذا يتوسط هذا التهديد وذلك التحذير يتوسط تبصير المؤمنين بحقيقة أعدائهم وما يضمرون لهم من الشر والكيد، ثم تجيء البقية:

{إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} أي: إن يتمكنوا منكم ويقدروا عليكم تظهر عدواتهم التي أخوفها، ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالسب والشتم والطعن في دينكم، والأدهى من هذا كله والأشد والأنكى أنهم يتمنون أن ترجعوا بعد إيمانكم كفارًا {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} . وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء ويصيبه باليد أو اللسان، فالذي يودّ له لو يخسر هذا الكفر العزيز - كنز الإيمان - ويرتدّ إلى الكفر، وهو أعدى من كلّ عدو يؤذيه باليد واللسان! والذي يذوق حلاوة الإيمان بعد الكفر، ويهتدي بنوره بعد الضلال، ويعيش عيشة المؤمن تصوراته ومداركه ومشاعره، واستقامة طريقه، وطمأنينة قلبه، يكره العودة إلى الكفر، كما يكره أن يُلقى في النار أو أشد، فعدو الله هو الذي يؤد أن يرجعه إلى جحيم الكفر وقد خرج منه إلى جنة الإيمان، وإلى فراغ الكفر الخاوي بعد عالم الإيمان المعمور، لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يصل إلى قمته بقوله لهم: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} .

المال والبنون فتنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت