فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب، والوَجَل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض، وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتاب متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] . أي: تسكن نفوسهم من حيثَ اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام، والمبتدعة الغام من الزعيق والزئيرومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير [1] ، فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: الم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله. والخوف منه والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفًا من الله فمن كان مستنًا فليستنّ، ومن تعاطى أحوال المجانينوالجنون فهو من أحسنهم حالًا، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوْه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: «سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا» . فلما سمع ذلك القوم أَرَمّوا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينًا وشمالًا فإذا كل إنسان لافٌ رأسه في ثوبهيبكي، وذكر الحديث، وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفَنَّا ولا قمنا. انتهى كلام القرطبي. والزفن هو الرقص.
خامسًا: تعلقات واهية:
(1) هذه عبارة الإمام القرطبي في «تفسيره» انقلها للأمانة العملية من غير حذف أو إضافة أو تغيير.