ثم تروى قيام إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء البيت المعظم الذي جعله الله حرما آمنا ومثابة [مثابة للناس: موضعا يثوبون إليه أي يرجعون إليه إذا انصرفوا عنه لتعلقهم به] للناس، وقبلة لصلاتهم، وتحكى تضرعهما لله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة، وأن يبعث فيهم رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، [يزكيهم: يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي بما جاءهم به من الهدى والعلم] وفي هذا القصص بيان لصلة هذا النبي وأمته بهذين النبيين الصالحين، لا صلة البنوة النسبية فحسب، بل صلة المبدأ، ورابطة الوحدة الدينية أيضًا، فهم من ذريتهما، ووجودهم تحقيق لقبول الله دعوتهما، وملتهم ملتهما، وقبلتهم قبلتهما، ومثابتهم في حجهم مثابتهما، وقد قررت السورة - في الوقت نفسه - انقطاع مثل هذه النسبة المشرفة عن اليهود الذين ينتسبون بالبنوة لإبراهيم ويعقوب، وهم عن حالتهما منحرفون، ولوصيتهما مخالفون، فماذا يغني النسب عن الأدب؟ ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} [خلت: مضت] [آية 134، وآية 141] فورثة إبراهيم الحقيقيون هم الذين يمضون على سنته، ويتقيدون بعهده مع ربه.
وقد بينت السورة أن وراثة إبراهيم قد انتهت - إذن - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين به، بعدما انحرف اليهود، وبدلوا، وقعدوا عن حمل أمانة العقيدة، والخلافة في الأرض بمنهج الله. ونهض بهذا الأمر محمد - عليه الصلاة والسلام - والذين معه، وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وهما يرفعان القواعد من البيت: {ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم 0 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [آية 128، وآية 129] .
(1) أكرر ما سبق أن أوصيت به القارئ بضرورة متابعة هذه الموضوعات في المصحف؛ ليلم بها إجمالا.