إن أوثق الحقوق على الرجل بعد حق الله في عبادته وتوحيده - حق أمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم - حين سُئل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» . قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» . قال: ثم من؟ قال: «أمك» . قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» .
وإن أوثق الحقوق على المرأة - بعد حق الله - حق زوجها، فأيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة.
لذا تسلط الشيطان في البيوت بالعقوق والعصيان والهجر والكفران، حتى صارت البيوت جحيمًا على ساكنيها وغابت المودة والحرمة.
ولقد جعل الله العقد للزواج ميثاقًا غليظًا يربط بكلمة من ولي الزوجة مع الزوج، ثم جعل حله من الزوج وحده لا ينزع منه، وإن جاز أن يوكل فيه غيره، وأن يسحب ذلك التوكيل ويلغيه.
وجعل رب العزة باب توثيق الكلام وتصديقه في ذكره سبحانه، فأباح الحلف باسمه وصفاته وأفعاله وكل ما يدل عليه، ثم حظر الحلف بغير ذلك، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر، ثم لم يجعل الحلف الذي يحلفه المسلم على أمر في مستقبل أيامه حجرًا يحجر به على السلوك الحسن والتصرف المشرق حتى قال سبحانه: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} [البقرة: 224] .
لكن الشيطان جاء للناس من هذا الباب، وجعلهم يعرضون عن الحلف بالله للحلف بغيره، فزين لهم الشيطان الحلف بالآباء والأمهات والأنبياء والأولياء والأطعمة والنعم والموتى، فتنوع حلفهم غير المشروع تنوعًا عجيبًا فاق الوصف، حتى صرت لا تكاد تجد من يحلف بالله سبحانه، إلا من رحم ربي.
ثم أدخل عليهم بابًا جديدًا من الحلف، وهو الحلف بالطلاق والعتاق، وإن كان العتق من باب القربات، فليس الطلاق كذلك، فإنك إذا سمعت من يستفتي أحدًا من أهل العلم في شأن بيته وما يقع فيه وجدت عجبًا من التفنن في الطلاق والتحريم وتضييق ما وسع الله.
ويستخدم في بيع السلعة في الأسواق الحلف بالطلاق، وفي مخاطبة الوالدين جرأة في الحلف بالطلاق، وفي مخاطبة الجار والقريب والبعيد حلف بالطلاق، حتى صار العزب يحلف بالطلاق، وتجرأت المرأة كذلك عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بل تجد المرأة تتحدى زوجها قائلة: إن كنت رجلا فطلقني، بعد أن طالت العشرة وأنجبت منه تقول له: إن كنت رجلا، فمن يعرف رجولته إن لم تكن زوجته؟!!
وأعجب من ذلك أن الشيطان يستهويه ليثبت لها رجولته فيقول لها: أنت طالق. هذه البيوت فتحناها للشياطين فقاموا بتخريبها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، فهل من عقل يرجع إلى الناس ودين يلتزمونه ليعلموا بما يرضي ربهم، وإلى الله المرجع والمصير.
والله من وراء القصد.