وما أجمل القرآن وما أبلغه حين يعبر بعد ذلك من أن المؤمن يجب عليهم أن يطيعوا الرسول وأن ينقادوا إلى أمره وأن يسلموا به تسليمًا حتى ولو كتب عليهم قتل أنفسهم أو أن يتركوا ديارهم، وفي ذلك يقول القرآن بأصدق عبارة وأحسن تصوير.
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِندِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذًا لاَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66 - 68] .
وذكر المفسرون أن أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه وعمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس رضوان اللَّه عليهم قالوا: لو كتب علينا ذلك، ولو أن اللَّه أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا فعلنا! اتباعًا لأمر رسوله.
فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن من أمتي رجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الراوسي ) ). [انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 5، ط دار الكتاب العربي ص 270] .
ونختم هذه الآيات ببيان الجزاء العظيم والثواب الذي أعده اللَّه لعباده الذين يطيعون اللَّه ورسوله:
{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ذلك الفضل من اللَّه وكفى باللَّه عليمًا} [النساء: 69 - 70] .
وليس هناك من شك في أن سعادة الأمة في الرجوع إلى هدي رسول اللَّه فنقتدي به في سلمه وفي حربه وفي كرمه وفي حلمه وفي أمانته وفي كل ما صدر عنه.
فلقد فاز أصحاب رسول اللَّه بالخير في الدنيا والآخرة باتباعهم لكتاب اللَّه وسنة نبيهم، بل كانوا أوعية أمينة للسنة المطهرة، وكانوا هداة مهديين يحبون رسول اللَّه ويسجلون له كل إشارة. ويتبعونه في كل شيء أوفياء أمناء على سنة رسولهم.
ومن كان أمينًا فيه الوفاء لسنة رسوله سهل عليه كل عسير. ومن حاد عن ذلك واتبع نفسه وهواه وترك سنة رسول اللَّه خسر الدنيا والآخرة.
قال الحكم بن عمير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه، يسير على من اتبعه وطلبه، وحديثي صعب مستصعب هو الحكم، فمن استمسك بحديثي وحفظه بجامع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة، وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري، وتتبعوا سنتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا اللَّه إن اللَّه شديد العقاب} [الحشر: 7] ) ). رواي الحديث القرطبي.
صدق رب العزة وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فهل لنا أن نحاسب أنفسنا من قبل أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات يوم يشيب فيه الولدان يوم يعض فيه الظالم على يديه ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا.