فجعل الله سبحانه الكفار قسميْن: مسالمين ومحاربين، فالمسالمون الذين {لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} قد أحسنوا بهذا، وتكون معاملِتهم بالرِّفْق واللّين، رجاءَ إسلامهم، أوْ على الأقل رجاءَ أن يكفُّوا أيديَهم ويستمروا على عدم إيذاء المؤمنين. فالإسلام لا يعادي الناس، إنما يريدُ أن يُفْسحَ المجال ويفتح الطريق أمام من يريدُ الدخول فيه، وما دام الكفّار لا يقفون في وجه الإسلام. ويفسحون له الطريق ليصل إلى الناس، فلا مانع من برّهم والإحسان إليهم. شريطة ألا يفقدَ المسلمُ غَيْرتَه على دينه، فيجد في قلبه مودةً لهولاء الكفار، فالمودَّةُ شيءٌ، وحُسْنُ المعاملة شيءٌ آخر، فالله الذي أَذِن لنا في برّ مسالمي الكفار؛ هو الذي نهانا عن موالاة الجميع في مطلع السورة حيث قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} وأما حسن المعاملة، وأما البر والصلة فـ {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء: «صِلي أمّك» . وأمر الله الولَدَ المسلمَ بمصاحبة الوالدين المشركيْن بالمعروف، ولو كانا حريصيْن على شِرْكه، قال تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] . {إنما ينهاكم الله عن} برّ {الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم} كما ينهاكم {أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} . والظلم ظلمان: ظلم هو كفر وشرك، كما قال تعالى: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] .