فلذا أمر الله تعالى المؤمنين بامتحان من جاءهم من النساء، فقال: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} وقد سبق ذِكْرُ ابنِ عبّاس لصفة الامتحان, {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} والإيمان محلّه القلوب، ولا يطلع على القلوب إلا علامُ الغيوب، ففي هذه الآية إرشادٌ إلى قبول الظاهر بعد بذلِ الجهد في الوصول إلى صدق الظاهر، حتى يكون موافقًا للباطن, {فإن علمتموهن مؤمنات} حسب ظنِّكم، وإلا فأنتم لا تستطيعون العلمَ الحقيقي، ولذا قدَّم تعالى ذكر علمه على ذِكْرِ علم المؤمنين، فقال تعالى {فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} فإذا أسلمت المرأة حرمت على المشرك، فلا يجوز لمشرك أن ينكح مسلمة، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه، وإذا تزوَج المشركُ مسلمةً فقد علاها بسلطانه وهيمنته، وهذا لا يجوز {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . {وآتوهم ما أنفقوا} وهذا من سماحة الإسلام وعدله وإنصافه لغير أهله، فإذا أسلمت المشركة ذات الزوج وهاجرت إلى المسلمين، فقد أضرّتْ بزوجها، من جهة أن الفراق كان بسببها، فعلى المسلمين تعويضُ هذا الزوج عمّا لحقه من ضرر الفراق، وذلك بردِّ ما أمهرها عليه، ومن رغب في نكاح المهاجرة من المسلمين فـ {لا جناح عليكم أن تنكحوهن} بشرط {إذا آتيتموهن أجورهن} والمراد الصداق، مع مراعاة بقيّة شروط النكاح. ولما حرّم الله المسلماتِ على المشركين، حرّم المشركاتِ على المؤمنين فقال: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} والكوافر منهن الكتابيات وغير الكتابيات لكن الله أحلّ الكتابيات في قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ... } [المائدة: 5] .