وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللَّه - رضي الله عنهما - قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قِبَلَ نجد، فأَرْكنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العَضَاة (1) ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. قال: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صَلْتًا (3) في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه. قال: فشام السيف (4) ، فها هو جالس» ، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ، ومع هذا العفو والصفح كان من أشجع الناس، بل إنه قد بلغ فيها مكانة عظيمة لم يصل إليها أفذاذ الأبطال كخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب وغيرهما ممن عرفوا بالبطولات والشجاعات النادرة، ففي صحيح مسلم عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم ما ولىَّ، ولكنه انطلق أَخِفَّاءُ من الناس وحُسَّرٌ (6) من هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم بِرَشْق من نبل، كأنها رِجْلٌ من جراد (7) فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللهم نَزِّلْ نصرك» .