قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يُحَاذِي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجواب الذي أجاب به البراء - رضي اللَّه عنه - من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام: أفررتم كلكم؟ فيقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم وافقهم في ذلك، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جماعة من الصحابة جرى لهم كذا وكذا (8) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث عن نفسه: أنا ابن عبد المطلب، ونسب نفسه إلى جده دون أبيه؛ لأن شهرته بجده أكثر، وقد توفى عبد اللَّه شابًا في حياة أبيه عبد المطلب، وكان عبد المطلب مشهورًا شهرة ظاهرة شائعة، فإن قيل: كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن عبد المطلب» مع أنه لا يجوز أن يضاف عبدٌ إلا اللَّه عز وجل؟ فالجواب: إن هذا ليس إنشاءً، بل هو خبر، فاسمه عبد المطلب ولم يسمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعد هذا إقرارًا ولكنه خبر عن أمر واقع، والحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في الميدان شجاعًا قويًا، حتى ثاب إليه أصحابه، وقاتل بهم حتى انتصر نصرًا ساحقًا على أعدائه، وأمسوا في قبضته، ولهذا الموقف نظيره في أحد أيضًا، ومثل هذه المواقف تدعو أصحاب البصائر إلى وجوب الإيمان برسالته واتباع دينه توخيًا للحق، وطلبًا للنجاة من العذاب، وفوزًا بالنعيم المقيم الذي أعده رب العالمين لمن آمن وصدَّق واتبع خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ولقد أخذ اللَّه العهد الميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث فيهم، وأن هذا شرع شرعه وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم.