فإنسان الغابة هو إنسان المدنيَّة، غير أن الأول يحارب بحجر والثاني يرمي بقنبلة، والأول قد يقتل واحدًا أو اثنين، والثاني يقتل عشرات ومئات، القوي في الغابة يستولي على مرعى أو بئر، أما قوي المدنية فيستولي على قطر بأكمله، ويأكل قوت شعب بجملته، وشعوب برمتها ويستبدّ بمصادر طاقة، وموارد حياة مصيرية.
إذا كان ذلك كذلك فكيف يكون الحال لو نجح الدعاة المصلحون في تهذيب الغرائز والتسامي بها.
إنَّ خطيب المسجد وواعظ الجماعة أشد فاعلية في نفوس الجماهير من أي جهاز من أجهزة التوجيه والحكم في المجتمع سواء أكان واليًا أو رجل عسكر أو حارس أمن، إن الجمهور قد يهابون أمثال هؤلاء لكنهم قد لا يحبونهم، أما الخطيب بلسانه ورقة جنانه وتجرده، يقتلع جذور الشر في نفس المجرم ويبعث في نفسه خشية اللَّه، وحب الحق، وقبول العدل، ومعاونة الناس، إن عمله إصلاح الضمائر، وإيقاظ العواطف النبيلة في نفوس الأمة، وبناء الضمائر الحية، وتربية النفوس العالية في عمل خالص وجهد متجرد، يرجو ثواب اللَّه ويروم نفع الناس.
ومن هذا فإنك ترى أن أداء الخطيب عمله على وجهه يكسوه بهاءً وبِشْرًا، ويرفعه إلى مكان عليّ عند الناس.
ولتعلم أن هذا ليس إطراءً ولا مديحًا، ولكنه تنبيه إلى شرف العمل ومشقته وعظم مسئوليته وثقل رسالته، وما تتطلبه من حسن استعداد وشعور صادق بالمسئولية.
وكيف لا يكون ذلك وهذه هي رسالة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا غرابة أن يصادف إيذاءً وعداءً، وحسبه أن يكون مقبولًا عند اللَّه والصفوة من عباد اللَّه.
مدخل: