فهرس الكتاب

الصفحة 11487 من 18318

وهذه الآيات كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (93) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 38 - 40] ، وكقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 48، 49] ، وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 1 - 4] . وهكذا يقضي الداعيةُ نهاره في الدعوة فتواجهه عقباتٌ، وتواجهه مشاكلٌ، فإذا جنّه الليل وأوى الناسُ إلى فرشهم، أَوى هُو إلى ربه، فقام بين يديه، يشكو بثه وحزنه إليه، ويستمد العون منه، فهو الذي يعين الدعاة ويلهمهم الصبر؛ لأن الدعوة دعوته، وهو الذي كلف بها، فلابد أن يُعين الدعاة وينصرهم، ثم قال تعالى منكرًا على الكافرين حبّهم الدنيا ونسيانهم الآخرة: {إِنَّ هَؤُلاَءِ} الذين يصدّون عن سبيل اللَّه ويبغونها عوجًا، والذين {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] ، هؤلاء الذين نهاك ربّك عن طاعتهم، {إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} أي الدنيا {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} ، {يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ، {يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} ، وهم في قَبضة اللَّه وأسره، قضاؤُه نازلٌ بهم، ومشيئتُه نافذةٌ فيهم، ولو شاء لذهب بهم، كما قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} ، {وَمَا هُمْ بُمُعْجِزِينَ} .

وأخيرًا يجيء الختام مذكرًا بالفرصة المتاحة للعباد: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} إن هذه السورة تذكرةٌ {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} أي فمن شاء سلك سبيل الرحمة، ومن شاء سلَك سبيل الشيطان، كما قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ، ولكنّ مشيئة الخلق ليست مطلقة، وإنما هي مقيدةٌ بمشيئة اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} «عليمًا» بمن يقبلُ الهداية ويَصْلُح لها، فيؤهّله لها، ويأخذ بيده إليها، «حكيمًا» فلا يضعُ الهداية في محلٍّ لا يقبلها، وبعلمه سبحانه وحكمته: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . اللهم أدخلنا في رحمتك، ولا تجعلنا مع القوم الظالين.

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت