في هذا الحديث الشريف يبين الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن من قرأ سورتي البقرة وآل عمران كان له شأن عظيم بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم، لما فيهما من علم كثير وأحكام عظيمة، ولما لهما من مكانة عظيمة عند اللَّه تعالى، وهذا الرجل لما ارتد عن الإسلام وكانت له هذه المنزلة العظيمة، فإن اللَّه تعالى عاقبه عقابًا شديدًا، فأهلكه وقصم عنقه، وأمر الأرض فنبذته على ظهرها ليكون عبرة لغيره، وهذا من علامات النبوة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر أن الأرض لن تقبله.
اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، واحشرنا في زمرة الصالحين.
وقد التبس فهم هذا الحديث على بعض الناس، بل على بعض أهل العلم ممن لم يكلفوا أنفسهم بالبحث عن معانيه، ظنًا منهم أن الرجل كان من كتاب الوحي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يملي عليه (غفور رحيمًا) فيكتب (عليمًا حكيمًا) ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم أكتب ما شئت - إلى آخر الحديث - وبئس ما ظنوا وحاشاه أن يُغير أو يبدل شيئًا مما أوحاه اللَّه إليه من القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فعامة الروايات في هذا الحديث جاءت مطلقة غير مقيدة، وليس فيها أنه كان يكتب الوحي، وقد ذهب الطحاوي إلى أنه كان يكتب الرسائل يبعث بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في دعائه الناس إلى الإسلام.
قال الطحاوي في «مشكل الآثار» (8/ 241) : «والذي في هذا الحديث قد يحتملُ أن يكون فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمليه على ذلك الكاتب من كتبه إلى الناس في دعائه إيَّاهم إلى اللَّه عز وجل، وفي وصفهم له ما هو جلَّ وعزَّ عليه من الأشياء التي كان يأمرُ ذلك الكاتب بها، ويكتب الكاتب خلافها فما معناها، معناها (أي مما يقارب المعنى المقصود) ، إذ كانت كلها من صفات اللَّه عز وجل، فبان بحمد اللَّه وبنعمته أن لا تضاد في شيء من ذلك ولا اختلاف» . اهـ بتصرف.