فانظر أخي إلى هذين الصبيين، ينقضان انقضاض الأسود على طاغية قريش أبي جهل، وسط حرب ضروس مستعرة بتلك الهجمة الفدائية التي لو سُئِلَ عنها بعض أهل زماننا لقال: عملية انتحارية وإلقاء باليد إلى التهلكة؟!
وأختم هذا الكلام السديد في ذلك الجيل الفذ الفريد، بهذا المطلب الرشيد؛ هل نسعى لتربية جيل يحمل هذه العقيدة؟ وهي أنه لا ينبغي أن يساوي أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحاذيه قولًا وعملًا وامتثالًا، وحبًا وتعظيمًا وإجلالًا، ولا يُقَدِّمُ قولًا على قوله ولا فعلًا على فعله صلى الله عليه وسلم، والله على ذلك المستعان. والحمد لله رب العالمين.
حَدَثَ في مثل هذا الشهر
الهجرة إلى الحبشة سنة 5 بعد النبوة
لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز وجل، ودفاع أبي طالب عنه وأنه لا يقدر أن يمنعهم، قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» .
وكان اسم النجاشي وقتئذ أصحمة بن أبجر. والنجاشي اسم لكل ملك يلي الحبشة، فخرجوا متسللين سرًا وذلك في شهر رجب سنة خمس من بعد النبوة (سنة 615م) ، وكانوا اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة فمنهم الراكب والماشي، وأوقف الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجارة حملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا، قالوا: قدمنا أرض الحبشة فجاورنا خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه.