فهرس الكتاب

الصفحة 11550 من 18318

ولقد حمل ابن حزم الظاهري رحمه اللَّه على الأئمة حملة شديدة لأخذهم بالقياس وقال: إن كل ما لم يأت بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه، فهو مما سكت اللَّه عنه، وهو عفو.

لكن - يقول الشنقيطي - ليس كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو، بل الوحي يسكت عن أشياء ولابد من حلها، ومن أمثلة ذلك مسألة العول (في الميراث) ، فأول عول نزل في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها، فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين، فقال الزوج: يا أمير المؤمنين، هذه تركة زوجتي ولم تترك ولدًا، والله يقول في كتابه: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12] .

فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد، فلي نصف ميراثها بهذه الآية ولا أتنازل عن نصف الميراث بدانق.

فقالت الأختان: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا ونحن اثنتان، والله يقول: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] ، والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق.

فقال عمر: ويلك يا عمر، والله إن أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج النصف.

(فهنا الوحي سكت ولا يمكن أن يكون عفوًا، فلم يبين أي النصين ماذا نفعل فيهما، فلا بد من حل، فلا نقول لهم: تهارشوا على التركة تهارش الحمر أو ننزعها من واحد إلى الآخر، فلابد من الاجتهاد) .

فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العول لمثل هذا.

فقال له العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه: يا أمير المؤمنين، أرأيت هذه المرأة لو كانت تُطالب (مدينة) بسبعة دنانير وتركت ستة دنانير فقط، ماذا كنت فاعلًا؟ قال: أجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء، وأعطي كل واحد من أصحاب الدنانير نصيبًا من السبعة، قال: كذلك فافعل.

وللحديث بقية إن شاء اللَّه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت