-أن الحائض بعد طهرها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، فهذا مبني على رفع الحرج في قضاء الصلاة دون الصوم، لكثرة أوقات الصلاة، والحرج مرفوع شرعًا.
-أما وجوب حد القاذف بالزنا دون الكفر، لأن القذف بالزنا لا سبيل للناس للعلم بكذب القاذف، فكان حده تكذيبًا له وتبرئة لعرض المقذوف ودفعًا للعار عنه، لا سيما إن كانت امرأة، أما الرمي بالكفر فإن مشاهدة حال المسلم واطلاع المسلمين عليه كافٍ في تكذيب القاذف، وباستطاعة المقذوف أن ينطق بكلمة الإيمان فيظهر كذب القاذف، أما الرمي بالزنا، فماذا يفعل المقذوف حتى يظهر كذب القاذف؟
-وكذلك إيجاب قطع يد السارق دون المنتهب، لأن السارق يهتك الحرز ويكسر القفل وينقب الدور، ولا يمكن لصاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فكان لابد من إيجاب القطع على السارق حسمًا لهذا البلاء على الناس، وهذا بخلاف المنتهب فإنه ينهب المال على مرأى من الناس فيمكن مطاردته وانتزاع المال من يده، كما يمكن الشهادة عليه لدى الحاكم فينزع منه الحق، وفضلًا عن ذلك فإن المنتهب يعاقب تعزيرًا، فليست حقيقة السرقة كحقيقة النهب، فافترقا في الحكم.
-وأما التراب لما صار طهورًا ورافعًا للحدث عند فقد الماء، فهذا حكم تعبدي، والأحكام التعبدية لا تعلل.
وما أجمل المناظرة التي جرت بين أبي العباس أحمد بن سريج الشافعي، ومحمد بن داود الظاهري.
قال أبو العباس له: أنت تقول بالظاهر وتنكر القياس، فما تقول في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .
فمن يعمل مثقال نصف ذرة ما حكمه؟
فسكت ابن داود الظاهري طويلًا، ثم قال: أبلعني ريقي.
قال أبو العباس: قد أبلعتك دجلة.
قال ابن داود الظاهري: أنظرني ساعة.
قال له أبو العباس: أنظرتك إلى قيام الساعة ... وافترقا رحمهما اللَّه.