-أما الآثار الواردة عن الصحابة في ذم الرأي والقياس، فتحمل على الرأي الفاسد والقياس الفاسد، ونحن نسلم أن من القياس ما هو فاسد، كما أن منه ما هو صحيح، والصحيح هو ما توافر فيه الأركان والشروط التي ذكرناها من قبل، والفاسد ما كان خلاف ذلك، مثل قياس المبطلين الذين: {قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] .
على أن حقيقة البيع تخالف حقيقة الربا.
ومثل ما قصَّ اللَّه علينا من قول إخوة يوسف عليه السلام: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] .
وكقياس إبليس المبني على أن النار أفضل من الطين، وغيره.
ولكن وجود قياس فاسد لا يقدح في حجية الصحيح منه، فإننا نجد مما ينسب إلى السنة ما هو باطل قطعًا كالأحاديث الموضوعة، ولكن لا يقدح هذا في وجوب اتباع السنة.
وأما قولهم إن القياس مثار اختلاف ونزاع، فالرد عليهم: أن الاختلاف موجود في استنباط الأحكام الشرعية العملية، وهو سائغ طالما لا يوجد نص صريح قطعي الدلالة في المسألة المختلف فيها، بل إن نفاة القياس أنفسهم اختلفوا فيما بينهم في كثير من الأحكام حتى ولو كانوا من مذهب واحد، والاختلاف المذموم هو ما كان في المسائل الاعتقادية في أصول الدين لا في فروعه، وفي الأحكام القطعية أو المجمع عليها، لا في الأحكام الظنية.
-وأما ما قاله بعضهم من أن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات والتسوية بين المختلفات وبهذا فيهدم أساس القياس، فهو قول غير سديد مطلقًا، فالشريعة لم تأت قط بما ينافي ما هو مركوز في الفطر السليمة من تفريق بين المختلفين وتسوية بين المتماثلين وأحكامها الدالة على ذلك كثيرة.
أما إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفرق بين نظائره، فلا بد أن يختص هذا النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواة غيره به، فليس في الشريعة أحكام تخالف قانون التماثل، وأما الأمثلة التي ضربوها فبيانها: