فالمنصور من نصره الله ولو اجتمع عليه من بأقطار الأرض، والمخذول من خذله الله ولو اجتمع معه من بأقطار الأرض،، وهذه حقيقة يعتقدها الكافر-وإن خالفها في الظاهر- كما قال حييُ بن أخطب النَّضري وهو يقدم ليضرب عنقه بعد غزوة بني قريظة فلَمَّا نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل اللهُ يُخذل.
وإِنَّما ينصر الله من يشاء ممن أطاعه وإِنْ قلوا، كما قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة: 249] ، وإِنَّمَا يخذل الله من عصاه وإِنْ كثروا، كما قال تعالى في حنين: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغِنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] .
فإذا كان الله هو الناصر، فكيف نستنصره؟ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرُكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} وكيف ينصر المؤمنون الله، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت؟.
إِنَّ لله في نفوسهم أَنْ تتجرد له، وألاَّ تشرك به شيئًا، شركًا ظاهرًا أو خفيًّا، وأَنْ يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كلِّ ما تحب وتهوى، وأَنْ تحكمَهُ في رغباتها ونزواتِها وحركاتِها وسكناتِها، وسرها وعلانيتها، فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
وإِنَّ لله شريعةً ومنهاجًا للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم تستقيم عليها حياة الناس، ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في شئون الحياة كلها بلا استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة.