قال ابن القيم رحمه الله: وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء؛ أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره، وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من الشهر من أوله أو آخره. ثم نقل عن حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أيَّ وقت هاج به الدم. وأيّ ساعة كانت. قال: وقال صاحب «القانون» أوقاتها في النهار: الساعة الثانية أو الثالثة (أي في الصباح لأن وقت الظهر في الساعة السادسة منه) . قال: ويجب توقيها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحم، ثم يستجم ساعة، ثم يحتجم. اهـ.
ثم قال: وتكره عندهم الحجامة على الشبع، فإنها ربما أورثت سُدَدًا وأمراضًا رديئة، لا سيما إذا كان الغذاء رديئًا غليظًا، وفي أثرٍ: «الحجامة على الريق دواء، وعلى الشبع داء، وفي السابع عشر شفاء» .
واختيار هذه الأوقات للحجامة، فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط للصحة وحفظًا لها، وللتحرز من الأذى، وأما في مداواة الأمراض فحيثما وُجد الاحتياج إليها وجب استعمالها.
من فقه الأحاديث الواردة في الحجامة
قال ابن القيم في الزاد: وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي، واستحباب الحجامة، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام المُحْرِم، وإن آل إلى قطع شيء من الشعر، فإن ذلك جائز، وفي وجوب الفدية عليه نظر، وجواز احتجام الصائم فإن في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «احتجم وهو صائم» ولكن هل يفطر بذلك أم لا؟ مسألة أخرى، وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة، بل يعطيه أجرة المثل، أو ما يرضيه، وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخَرَاجَ على عبده كل يوم شيئًا معلومًا بقدر طاقته، وأن للعبد أن يتصرف في ما زاد على خَرَاجِهِ.
الحجامة في الطب الحديث