وتأمل هذا الحديث ثانية وما يفهمه السذج والبسطاء منه: إن الله يغفر لجميع خلقه في هذه الليلة إلا لمشرك أو مشاحن، ومعنى هذا أن الخطايا التي اقترفتها الأيدي الآثمة والذنوب التي واقعتها النفوس المجرمة والموبقات والكبائر فيما سوى الشحناء والشرك تمحوها ليلة النصف، وليلة النصف فقط بلا توبة وبلا إنابة وبلا ندم وحسرة على ما فرط المفرطون في جنب الله والبون شاسع بين مفهوم الحديث ومفهوم الآية الكريمة فالآية الكريمة تقول: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» ، والمشيئة هنا هي مشيئة العادل الحكيم العليم الذي لا يظلم أبدًا.
والحديث عجيب وغريب: انسل الرسول صلى الله عليه وسلم من فراش عائشة تحت جنح الظلام دون أن يخبرها بشيء ثم يخرج وحده إلى البقيع لا إلى المسجد فتفتقده ويساورها القلق حتى تخرج باحثة عنه. لماذا؟
ليدعو الله وحده دون أن يشاركه أحد في الضراعة إلى الله؟! ليحظى هو وحده بفضائل ليلة النصف دون غيره من الأمة؟! ويكتم الأمر عن صحابته جميعًا حتى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟!
حاشاك حاشاك ثم حاشاك حاشاك أن تفعل هذا يا سيدي يا رسول الله ويا عبده ومصطفاه، وكيف تفعل وأنت الذي قال تبارك وتعالى لك «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» [الأنبياء: 107] ، وكيف تفعل وأنت الذي كدت تهلك نفسك حسرات على الذين لم يهتدوا للحق ولم يسيروا في النور وظلوا في ظلماتهم يعمهون حتى قال لك الحق تبارك وتعالى: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا» [الكهف: 6] ، والله تبارك وتعالى في هذا الحديث لا يغفر لجميع الخلق ولكن لعدد شعر غنم كلب.
لماذا لم ينتظر أصحابه حتى الفجر ليشاركوه الضراعة والدعاء ولماذا لم يخبر عائشة من أول الليلة عن فضائل هذه الليلة؟
والجواب واضح وهو أن الذين وضعوا الحديث لم يحسنوا وضعه.