وفي انتقال الآيات من الحديث عن ماضي اليهود، وربطه بحاضرهم- انظر كيف وضع القرآن بينهما حلقة الاتصال في هذه الآية الرابعة والسبعين التي ختم بها القسم الأول: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة (فقوله:(من بعد ذلك) كلمة حددت مبدأ تاريخ القسوة، ولم تحدد نهايته، كأنها بذلك وضعت عليه طابع الاستمرار، وتركته يتخطى العصور والأجيال، حتى يظن السامع أن الحديث قد أشرف به على العصر الحاضر، ثم لم يلبث هذا الظن أن يزداد قوة بقوله: (فهي كالحجارة) دون أن يقول: فكانت كالحجارة.
ثم أنظر كيف كان انتهاؤه إلى وصف قلوبهم بهذا الوصف- وهو القسوة- توطئة (تمهيدا) لتغيير الأسلوب فيهم، فإن من يبلغ قلبه هذا الحد من القسوة التي لا لين فيها- يصبح استمرار الخطاب معه بعيدا عن الحكمة، ويصير جديرا بصرف الخطاب عنه إلى غيره ممن له قلب سليم.
وهكذا سينتقل الكلام من الحديث معهم في شأن سلفهم إلى الحديث معنا- نحن المسلمين- في شأنهم أنفسهم: شأن اليهود المعاصرين للبعثة.
القسم الثاني: ذكر اليهود المعاصرون للبعثة (الآيات من 75 - 121) :
افتتح الكلام في هذا القسم بجملة طريفة ليست على سنن ما قبلها، ولا سنن ما بعدها من السرد الاخباري، جملة استفهامية يحيط بها حرفان، لهما معناهما: (أحدهما) يعيد إلى الذاكرة كل ما مضى من وقائع القسم الأول: ما أنعم الله به عليهم، ومقابلتهم هذه النعم بالكفران والعناد والتمرد، وعقاب الله لهم (والآخر) بفتح الباب لكل ما يأتي من حوادث هذا القسم الثاني. وتقع هي [جملة (تطمعون أن يؤمنوا لكم) ] بين التاريخين القديم والحديث موقع العبرة المستنبطة، والنتيجة المقررة، بين أسباب مضت، وأسباب تأتي (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعملون) (من بعد ما فهموا كلام الله في التوراة) (الآية 75 التي افتتح بها القسم الثاني) .
فهذه الفاء تقول لنا: (بعد كل ما قصصناه يطمع طامع في إيمان هؤلاء القوم، وهم الوارثون لذلك التاريخ الملوث؟) .
وهذه الواو تقول لنا: (هذا، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، ومازالوا في طغيانهم يعمهون) .
وإلى الحلقة القادمة- إن شاء الله- لتوضيع ذلك، وتفصيله، والله ولي التوفيق.
عنتر حشاد