بل كان صلوات الله وسلامه عليه يحب لأهله ولأمته أن لا يحرموا خير هذه الأيام، فكان لا يدع نائمًا يستطيع القيام إلا أيقظه، هذا ما أخبرت به زينب بنت أم سلمة رضي الله عن الجميع: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقيت من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه» . وعند البخاري قالت عائشة رضي الله عنها: «كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله» .
فيا من وقر الإيمان في قلبه، اغتنم تلك المناسبة؛ عشرة أيام في آخر رمضان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها وأكثروا فيها من الدعاء خاصة ما علمنا إياه صلى الله عليه وسلم حيث سألته عائشة رضي الله عنها: «أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» . [أخرجه الترمذي وصححه الألباني] .
إن الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، فحري بالمسلم أن يجتهد في العشر الأواخر بالدعاء، فقد قال الله سبحانه في آيات الصيام: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة] ، وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
ولنا القدوة الحسنة في الأنبياء، فهذا يعقوب عليه السلام فقد ولده يوسف وكذا أخاه وما زاده ذلك إلا تعلقًا بربه وثقة فيه وتوجهًا إليه، كما حكى القرآن الكريم عنه: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 83] .
وإن من أسباب الإجابة ألا يستبطئ العبد الإجابة، قال صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم ُيستجب لي» . [أخرجه الشيخان] .
كما أنه على المسلم ألا ينسى إخوانه من المساكين والفقراء، وكذا المجاهدين المخلصين في كل مكان من أرض الله، بأن يقدم لهم مما وسع الله به، وكذا ألا ينساهم من دعائه، فكم كان الدعاء سببًا في انفراج كثير من الكربات وتذليل كثير من العقبات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.