ويتضح ذلك جليًا عندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين والأنصار في لقاء جيش المشركين، ولقد استجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لمشورة الحباب بن المنذر عندما تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل أدنى ماء من مياه بدر، فقام الحُبَاب بن المنذر وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الحرب والرأي والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى (أقرب) ماء من القوم ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت عليَّ بالرأي» ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار معه الصحابة حتى نزل بالمكان الذي أشار به الحُبَاب بن المنذر.
[السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص224 - الطبقات لابن سعد ج2 ص10]
ثالثًا: علو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة
لقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم منزلة رفيعة في قلوب أصحابه رضي الله عنهم، فقد كانوا على أتم استعداد للتضحية بأنفسهم وأولادهم وأموالهم من أجل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويتضح ذلك جليًا في قول سعد بن معاذ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونًا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك». فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشًا فكان فيه.