فإن المُقلب بصره في دنيا الناس يرى واقع أمتنا بين مآسٍ ونكبات، وفواجع وكوارث، فيرجع إليه البصر خاسئًا وهو حسير، ما الذي حدث لنا؟ أَوَ لَسنا خير أمة؟ أو ليس الله قد وعد هذه الأمة بالنصر والتمكين؟ والجواب: بلى، ولكن لله الحكمة البالغة في أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن ما أصابنا فبذنوبنا ويعفو الله عن كثير.
الحالة التي نحياها الآن في الواقع الذي نعيشه ليست حالة جديدة، بل هي متكررة ولكن الفرق الجوهري بين الحالتين في نوعية الرجال الذين وقع هذا الحدث في أيامهم، ففرق بين الصحابة الذين قال الله عنهم: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} ... وبيننا الآن وما علم الله ما في قلوبنا من التفريط والعصيان، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» . رواه أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
مهما دجى الظلام فالتاريخ أنبأني
أن النهار بأحشاء الدجى يثب
إني لأسمع وقع الخيل في أذني
وأبصر الزمن الموعود يقترب
نعم، مهما طال الليل فلابد من طلوع الفجر، فإن الله كتب لهذه الأمة البقاء، وإن أهل الإسلام هم الأعلون لأن الله حَسْبُهم وهو نعم الوكيل، ففي قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . قال أهل العلم: نزلت والصحابة عائدون من غزوة أحد وقد أصابهم ما أصابهم، قتل منهم سبعون وجُرحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكُسِرَتْ رَبَاعِيتُه، ومع ذلك ذكرهم الله بأنهم الأعلون لكي لا يحترقوا بنار الهزيمة فيصيبهم اليأس والقنوط، وهذا ما يريده العدو الآن في أن يزج بالأمة في الإحباط واليأس والقنوط من عودة هذه الأمة إلى سابق عهدها، فيقف الأعداء في غاية الجبروت والتسلط منتفخي الأوداج ويقولون: «من أشد منا قوة» ، فظن ضعاف العقيدة أنه لا أمل في النصر بعد هذا.