وأما الثالثة فقال ابن عمر للرجل في شأنها: وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحدٌ ببطن مكة أعزَّ من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بعث عثمان ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ففي الوقت الذي تغيب فيه عثمان شاع عند المسلمين أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ تحت الشجرة على ألا يفروا، وقيل: بل جاء الخبر أن المشركين قتلوا عثمان رضي الله عنه، فكان ذلك سبب البيعة، كما بين ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» . فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان» . ولا شك أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد عثمان، بل خير لكل أحد من المسلمين من يده، فيا له من شرف عظيم أن يتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة لعثمان نيابة عنه، ثم إن عثمان ليس مقصرًا في ذلك بل كان في مهمة كلفه بها قائده صلى الله عليه وسلم.
وفي قول ابن عمر رضي الله عنهما للرجل: اذهب بها الآن معك: أي خذ العذر واقرنه بالجواب حتى لا تكون لك حجة بعد ذلك في ما كنت تعتقد من استحلالك لغيبة عثمان رضي الله عنه.
ونقل ابن حجر عن الطيبي قوله: قال له ابن عمر ذلك تهكمًا به، أي توجَّهْ بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعدما بينت لك.
ولا عجب أن يوجد في المسلمين من أمثال هذا الرجل الذي ثبت في حديث آخر أنه سأل ابن عمر عن عثمان فذكر له محاسن عمله ثم قال له ابن عمر: لعلَّ ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي رضي الله عنه فذكر له ابن عمر محاسن عمله، فقال ابن عمر للرجل لعل ذلك يسوؤك؟ قال: أجل، فقال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجْهَدْ على جَهْدِك.