قال النووي: وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالهما عصبية ونحوها، ثم كونه في النار فمعناه أنه مستحق لها، وقد يجازى بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه، هذا مذهب أهل الحق وعلى هذا يتأول كل ما جاء من نظائره، واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه مجتهد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحرب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا. [شرح سنن ابن ماجه 1/ 285]
ويقول الإمام الذهبي رحمه الله في السير (1/ 92، 93) : «كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بينهم، وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضِّي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء» . إلى أن قال: «فأما ما نقله أهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليه، ولا كرامة فأكثره باطل وكذب وافتراء، وفضيلة الصحبة ولو للحظة، لا يوازيها عملٌ ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بالقياس، وقد أخرج ابن عساكر في تاريخه (59/ 141) في ترجمة معاوية رضي الله عنه من طريق ابن منده ثم من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة قال: جاء رجل إلى عمي فقال له: إني أبغض معاوية، فقال له: لم؟ قال: لأنه قاتل عليًا بغير حق، فقال له أبو زرعة: رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم، فما دخولك بينهما؟