فإن قال قائل: إنما مرادي من ذلك لأن أكون عالمًا بما جرى بينهم، فأكون لم يذهب عليَّ ما كانوا فيه لأني أحب ذلك ولا أجهله، قيل له: أنت طالب فتنة، لأنك تبحث عما يضرك ولا ينفعك، ولو اشتغلت بإصلاح ما لله عز وجل عليك فيما تعبدك به من أداء فرائضه واجتناب محارمه كان أولى بك، وقيل له: ولا سيما في زماننا هذا مع قبح ما قد ظهر فيه من الأهواء الضالة». وقيل له: اشتغالك بمطعمك وملبسك من أين؟ هو أولى بك، وتمسكك بدرهمك من أين هو؟ وفيم تنفقه؟ أولى بك. وقيل: لا نأمن أن تكون بتنقيرك وبحثك عما شجر بين القوم إلى أن يميل قلبك فتهوى ما يصلح لك أن تهواه، ويلعب بك الشيطان فتسب وتبغض من أمرك الله بمحبته والاستغفار له وباتباعه، فتزل عن طريق الحق، وتسلك طريق الباطل، فإن قال: فاذكر لنا من الكتاب والسنة وعمن سلف من علماء المسلمين ما يدل على ما قلت، لنرد نفوسنا عما تهواه من البحث عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم.
وللحديث بقية إن شاء الله.
اختلاف الصحابة والسلف الصالح لم يصل إلى التازع والافتراق
إعداد/ د. ناصر العقل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل مهمة وأمور وأحكام كثيرة، لكن اختلافهم كان ينتهي (على مقتضى الكتاب والسنة) ، إما بالإجماع أو العمل على ما يترجح، أو يفصل في الأمور خليفة المسلمين، أو أهل الحل والعقد، أو يبقى الخلاف سائغًا، وفي ذلك كله لم يصل الأمر عندهم إلى حد التنازع في الدين، ولا الافتراق والخروج على الجماعة، ولم يبغ بعضهم على بعض.