وقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} لأنه قد قامت عليهم الحجة، {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ} [النمل: 85] ، وقد جاء في آية أخرى أنهم يُؤذن لهم فيعتذرون، ولكن لا ينفعهم، قال تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [غافر] ، فكيف الجمعُ بين الآيتين؟ قال العلماء: إنّ هذا اليوم يومٌ طويل، مقداره خمسون ألف سنة، وهم في هذا اليوم يمرون بمواقف ومشاهد كثيرة، كما قال تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق] ، فهم في بعض المواقف يعتذرون ولا ينفعهم، وفي بعضها: {لاَ يَنْطِقُونَ (35) وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} ، كما أنّهم في بعض المواقف يُسألون عن ذنوبهم، وفي بعضها لا يُسألون، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر] ، وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ} ، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ، {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} بين العباد فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ، ولذلك جمعهم، كما قال: {جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} ، وهذه الآية كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} ، فهذه الآية قد وعدتهم بالجمع، والآية التي معنا خطاب لهم بتحقيق الجمع، {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} ، {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} ، أي إن قدرتم أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي فافعلوا، وهيهات هيهات، وذلك كما قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] ،