كما أن قول المسيح: «إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء» يتضمن إثبات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات التوحيد وأن الأمر كله لله، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني تنزيه عيسى مما نسب إليه من الربوبية أو الألوهية، وهذا يشترك فيه جميع الخلق، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 181] ، وقال تعالى: {قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] ، وكل هذا يدل على أن رسالات جميع الأنبياء واحدة في أصل الدين وأساسه، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع، لا يعبد بالأهواء الباطلة، ولا بمخالفة الحق الذي جاء من عنده، ثم ليعلم الجميع أنه لو لم يظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 37] ، فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، وقد ذكر ابن جرير عن قتادة أنه قال في تفسير الآية: «بل جاء بالحق» بالقرآن، «وصدق المرسلين» أي صدَّق من كان قبله من المرسلين (5) ، ولهذا أحسن الإمام ابن القيم (6) حين ذكر أنه يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأن من جحد نبوته فهو لنبوة غيره من الأنبياء أشد جحدًا، وهذا يتبين بوجوه: